السبت، 16 يناير، 2010

بناتنا والإنترنت بين التثقيف والانحراف



لا نستطيع أن ننكر أن الإنترنت استطاع أن يستقطب جمهوراً عريضاً من الشباب على عكس وسائل الإعلام الأخرى، فقد أكد استطلاع قامت به إحدى المطبوعات العربية أن 60% من روّاد المقاهي في الوطن العربي يقضون الوقت في المحادثة، و20% منهم في تصفّح المواقع الثقافية، و12% في المواقع الطبية، والإلكترونية، أما المترددون على المواقع السياسية فهم 8%، كما أشارت دراسة أخرى إلى أن 80% من رواد المقاهي في الوطن العربي تقل أعمارهم عن 30 عاماً، حيث يشهد استخدام الإنترنت في العالم نمواً سريعاً، إذ زاد عدد المستخدمين من (16) مليون مستخدم في 1995م إلى (785) مليوناً في 2004 ، بنسبة 24 مليون مستخدم للعالم العربي.
ورغم ما للإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة من مميزات كثيرة بل وهامة، فإن لها الكثير من السلبيات على شبابنا بما تحمله من انفتاح شديد على الثقافة الغربية والفساد العلني، وقد حاولنا خلال هذه السطور رصد تأثير الإنترنت على الفتيات خاصة، خاصة وأن أحد المواقع الإسلامية على الإنترنت قد أجرى دراسة على مستخدمي الإنترنت وكانت النتيجة أن نسبة 46% يعانون إدمان الإنترنت. تواصلنا مع بعض " أسيرات الإنترنت" – كما وضحت إحداهن – لرصد هذه المخاطر ودور الأسرة لحمايتهن وتوجيههن، وفي المقابل رصد الجانب الآخر للفتيات اللاتي أخذن إيجابيات الإنترنت وتركن سلبياته بعيداً، فنجد فتيات يحملن في قلوبهن جراحاً لا ولن تندمل بسبب الإنترنت، في حين تتخذه غيرها سلاحاً للمقاومة في وقت لا تستطيع أن تحمل فيه السلاح!
منه نجـــاهد !
وفي بداية الحديث تقول مها 22 سنة من مصر: " الإنترنت مصدر مفيد لعملي وتخصصي، إذ أجد عليه الكثير من الأبحاث والدراسات المفيدة، حيث أدخل على مواقع الجامعات الأميركية والأوروبية وأحصل على دراسات متميزة لم أكن لأستطيع الوصول إليها أبداً، وفي الحقيقة لا أحب المواقع العربية لأنها تافهة إلى حد كبير خاصة ما يتعلق بالمرأة، فتحصر اهتمامات المرأة في المطبخ والديكور وغير ذلك مما لا يتفق مع اهتماماتي".
وتتفق معها هالة 28 سنة من الأردن قائلة: " أنا أحب المشاركة في المنتديات الإسلامية وساحات الحوار، فهي تتيح لي التعرف على أخوات من جميع أنحاء العالم، تتفق اهتماماتنا ورؤيتنا للحياة والدعوة، وأعتقد أن الفتاة التي ترغب في الحفاظ على نفسها هي التي تحدد أي المواقع ترتاد، وأيها تتجنبها، فأنا عندما أكون في ضيق من شيء ما، أجد متنفسي على هذه المواقع الإسلامية الراقية، ففيها ترتاح نفسي من كل همومي، وأجد من الأخوات الصادقات ما يعينني على الصبر".
أما هنادي 28 سنة من سوريا تقول: " في الحقيقة بدأت التواصل مع المواقع الإسلامية على الإنترنت منذ فترة ليست بطويلة، وفي الحقيقة وجدت الكثير من المواقع الرائعة التي تتيح فرص الجهاد الإلكتروني، من تدمير المواقع الإباحية والمواقع المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام، بل وكذلك بعض المواقع الصهيونية، وهذا شد انتباهي كثيراً، حيث عملت معهم فترة ليست بالقصيرة، إلى أن تزوجت ورفض زوجي تحميل برامج التدمير لأنها ضارة من الناحية الأمنية".
ومن نفس الفكرة تقول آسية – من أسبانيا: " كلما أتذكر أننا مجرد لاجئين ممنوعين من دخول بلادنا، أجد لدي همة عالية للدعوة إلى الله، والإنترنت في الحقيقة أتاح لنا فرصة كبيرة للتواصل مع النصارى لمناقشة الأديان، والمناظرات الساخنة، ولغتي المتميزة أتاحت لي الانضمام لصفوف هؤلاء الدعاة، كما أدخل بعض الأحيان على المنتديات الطلابية والتي تفيدني كثيراً في دراستي"
علاقات للتسلية
ورغم هذا الجانب المضيء لتعامل الفتيات مع الإنترنت، إلا أن الجانب المظلم قد يطغى عليه بآلامه حيث تقول حنان 17 سنة من قطر: " أجلس على الإنترنت بمعدل 3 ساعات يومياً وقد يزيد، وأبي وأمي دائماً مشغولون ولدي جهاز كمبيوتر خاص بي، وللأسف حياتنا المنغلقة لم تتح لي التعرف عليى أي أحد من الجنس الآخر، وكان الإنترنت يتيح لي ذلك، بل ويتيح الحديث في أمور قد أخجل من التحدث بها مع أي أحد وجهاً لوجه، فقد كنت أتحدث مع هؤلاء الشباب براحة دون أن يعرفوا هويتي، أو حتى اسمي وصورتي، لا لشيء فقط لأتسلى، وعاقبني الله عز وجل بعدما كنت من المتفوقات بالرسوب في بعد مواد التوجيهي، ولم أتب في الحقيقة إلا بعد اكتشاف أخي هذا الأمر ورقابته علي بحب وحنان دون قسوة، فالرادع الديني والرعاية الأسرية هامة للفتيات في مثل عمري".
على ظلمات الطريق أحزان لا تفارقهن
ومن الوسط إلى الحضيض تبث لنا أفنان بحزن 23 عاماً تجربتها قائلة: " دخلت عالم الإنترنت منذ 3 أعوام، أمضيت وقتاً ًكثيراً في الكتابة في المنتديات الإسلامية، وخلالها تعرفت على شاب، كانت علاقتنا في البداية صافية لا يشوبها شيء حتى تطور الأمر وبدأنا ننزلق، لكنها لم تتعدى المكالمات الهاتفية، وتعلقت به لمدة عامين كاملين لم أستطع خلالهما قبول أي شخص يتقدم لخطبتي، وكان جاداً في محاولة السفر لنتزوج، لكن ظروفه كانت أقوى منا، وانطوت الصفحة على جراحنا معاً، عندما أيقنا أنه لا أمل في الزواج، وفي الحقيقة بعد هذه المشكلة أغلقت جهاز الكمبيوتر تماماً وتفرغت للعبادة والتقرب إلى الله،"فما يبدأ حراماً لا ينتهي بالسعادة أبداً".
وكانت تجربة أفنان أبسط مما مرت به إخلاص من لبنان 24 حيث تقول :" وقعت أسيرة للعب العاطفي الذي يمارسه أغلب الشباب على الإنترنت ويصطادون الفتيات الجالسات على الإنترنت دون هدف واضح، فقد كنت أدخل إحدى غرف الدردشة لأكثر من عشر ساعات يومياً حتى " اصطادني " أحد الشباب، وكنا نتحدث لساعات عن مواضيع مختلفة تطورت وتعدّت الحدود فيما بعد، وبعد ذلك بدأ يطلب مني أن نلتقي في أي مكان لأنه على حد تعبيره لم يعد يستغني عني، وبدأ يقنعني بأنه يحبني ومتعلق بي، وأنه ينوي خطبتي؛ لأنه وجد الفتاة التي كان يحلم بها إلى آخره من الكلام الكاذب، كل هذا أخذ من رصيدي كفتاة عفيفة نفسيا، وأكره نفسي كلما أتذكر ما حدث بيننا من كلام حرام، وأنصح كل أم أن تكون رقيبة شديدة على ابنتها لتحميها وترعاها".
سلاح ذو حدين
ورغم هذه الآلام اختلفت آراء الفتيات إذا ما كان الإنترنت انفتاحاً سلبياً أم إيجابياً حيث تقول أسماء : " الإنترنت يمثل انفتاحا لكل شرائح المجتمع بما فيهم المرأة، فهو وسيله اتصال لها بريقها الخاص فأنا أشعر وأنا ( اون لاين) أن العالم تحت قدمي، وكل ما أريده سيأتي أمامي بمجرد (كليكه) واحدة ،وأصبح من السهل الحصول على أي معلومة أريدها لم تكن متاحة ما قبل عصر الإنترنت، إلى جانب التواصل مع جنسيات وثقافات أخرى مما يعمق الأفق لدي ويكون لي خبرة أكثر في التعاملات الإنسانية، فخلق الفتاة هو المتحكم الرئيسي في خطورة الإنترنت، وأؤمن إن الفتاة غير المهذبة قد ترتكب الخطأ بالإنترنت أو بدون إنترنت، فالفتاة إن أحسنت استخدامه كان نعمة لها وإن فعلت العكس كان نقمة عليها وبدل أن يكون انفتاحاً يكون سجناً في عالم لا تستطيع الخلاص منه".
في حين تقول أفنان :" الإنترنت يمثل خطراً داهماً على فتيات الإسلام ، حتى إذا كانت الفتاة ملتزمة وتخاف الله فالشيطان قد يغلبها، وتتجاوز الخطوط الحمراء، وتدخل أحد المواقع السيئة، أو إحدى غرف الدردشة اللاأخلاقية، ثم تعود وتندم ووقتها لاينفع الندم لأن عفة الفتاة لا تعوض حتى إذا تابت فتظل شوكة في قلبها لا تزول، خاصة وأن معظم الشباب يبحرون في محيط الإنترنت بمفردهم، وتعاني فتاة الشرق خاصة من التقييد والكبت أحياناً فيكون الإنترنت هو الملجأ، فتسعى لتجرب بدون أن يعرف الشخص الذي تتعامل معه هويتها، فلماذا إذن نترك الباب موارباً في وجههن , لنغلقه أفضل !".
وأخيراً فالمرأة المسلمة يجب أن تكون واعية بما ينفعها وما يضرها، والإنترنت كوسائل الاتصال الحديثة التي يجب أن تنتفع منها وتحسن استغلالها، لكن مع الانتباه أنه سلاح ذو حدين، كما أن الاختلاط الذي يتواجد على الكثير من المنتديات وغرف الدردشة قد يدخل في حيز الحرام، وبالتأكيد رقابة الأهل شيء مطلوب وضروري، لكن المنع ليس حلاً عملياً، وتربية الفتاة على تقوى الله أينما كانت في السر والعلن هي من أساليب الوقاية الفعالة في مثل هذه المشكلات، فالوازع الديني يجعل الفتاة تراقب نفسها أينما كانت وتعلم أن ألله يراها

الخميس، 10 ديسمبر، 2009

علاقة عمل المرأة ... بزيادة نسبة العنوسة

أحدث عمل المرأة تغييراً كبيراً في منظومة المجتمع، وأضاف أبعاداً عديدة للعلاقة بين الزوجين قبل وبعد الزواج، تأرجحت بين الإيجاب مرة، وبين السلب مرات عديدة، لكن هل أضاف عمل الفتاة نوعية جديدة من المشكلات تبدأ من تأثيره على اختيارها لشريك حياتها، وتأثيره على علاقتها بزوجها وأبنائها بعد الزواج؟

كذلك وهو الأهم فقد فتح عمل الفتاة ملفات جديدة لم تكن مطروحة من قبل، فقد كانت المرأة منذ القدم ترث، أو تتاجر وتتولى مهام العمل بنفسها، أو يتاجر بمالها أخ أو قريب، ولكن خروج الفتاة للعمل على نطاق واسع أثمر حيرة ، هل تسبب خروجها في تفويت فرص العمل على الشباب الباحث عن الرزق والزواج، أم أن زيادة نسب عنوسة الفتيات جعلتهن يخرجن للعمل لأسباب متعددة؟

فمع تزايد مشاركة المرأة في الأنشطة الاقتصادية المختلفة وكونها أصبحت تشكل 26% من إجمالي القوى العاملة، وجهت إليها الاتهامات بأنها تحتل أماكن الرجال وتضطرهم إلى البقاء في منازلهم حيث ينتظرون فرصة عمل.

علاقة متبادلة ... والنتيجة واحدة
توجهنا إلى بعض الشباب والفتيات لاستطلاع رأيهم حول تلك القضية ومن ثم نقوم تلك الآراء من خلال نظرة المختصين والخبراء ..

وتبدأ ماجدة – من الكويت- الحديث قائلة : " المرأة العاملة هي كالرجل قد نسيت أنها أنثى، ويصبح من أولى أولويات حياتها، بل وإن خيرت بينه وبين الزواج فتكون له الأفضلية، وأعتقد أن العلاقة عكسية، بمعنى أن العنوسة هي التي أخرجت الفتاة للعمل، حيث أن شعورها بالنقص من تأخرها في الزواج، وفقدانها للثقة في نفسها جعلها تحاول أن تثبت ذاتها من خلال العمل وهذا جعلها تلعب دوراً هي ليست مخلوقة لأجله، ونعود لنفس الحلقة المفرغة، فبعد أن تعمل المرأة وتحقق مكانة اجتماعية جيدة، وتحقق مكاسب مالية عالية، تجد صعوبة في اختيار شريك حياة يناسبها لأنها تعتقد إن من يتقدم إليها إما يطمع فيها، أو أنه غير مؤهل للقوامة عليها".


ويتفق معها هاني – من مصر قائلاً : " على الفتاة أن تدرك جيداً طبيعة الرجل الشرقي الذي يرفض أن تسبقه المرأة خاصة إن كانت زوجته، وعمل المرأة دائماً ما يدفعها للأمام بالطموحات العالية، وهذا ما يرفضه أي رجل، بالإضافة إلى أن البعض يرى أن عمل الفتاة لم يجعلها " قطة مغمضة" خاصة أن كانت تختلط ببعض الرجال، كما أن العمل جعل الفتيات كثيرات الطلب، مما يجعلها تشكل عبئاً مادياً على من يتقدم للزواج منها".

ومن نفس الخيط تقترب فريدة – من مصر فتقول : " أعتقد أن عمل الفتاة ليس السبب الرئيسي في تأخر سن الزواج عند الشباب والفتيات، لكنى أؤمن بضرورة عمل الفتاة فور أن تتخرج، لأنها لا تضمن الزواج، ووالداها ليسوا باقيين لها لتولي مصروفاتها، ولن تبقى الفتاة عالة على أخوتها أو أخواتها لذلك يجب أن يكون لها مصدر دخل خاص، وعندما تتزوج وقتها تستطيع أن تتوقف أو تستمر في عملها بناء على ما تتفق عليه مع زوجها، لأنه في هذه الحالة ستختلف أولوياتها في رعاية زوجها وبيتها على أن ينفق عليها على أكمل وجه".

فتاة عاملة بلا حياء ... لا تصلح زوجة
أما ابتسام – امرأة عاملة - فقد كان لها رأي مختلف حيث تقول: " بناء على تجربتي في العمل أعتقد أنه يتسبب في تأخر سن الزواج بالفعل لا لأجل الأمور المالية التي يتطرق إليها الكثيرون، لكن لأجل بعض النقاط الحسية الأخرى، فعمل الفتاة يفقد بعضهن الحياء وذلك عندما تتعامل مع رجال حتى لو في إطار شرعي، كما إن الفتاة العاملة قد ترى بعض الرجال من حولها يأخذ راتباً كبيراً ويمتلك سيارة جميلة، وزوجته تعيش في مستوى جيد، فتقارن بينه وبين أي شاب يتقدم لخطبتها، فيتأخر زواجها كثيراً، والأسوأ أن بعض الرجال يعتقدون أن الفتاة التي خرجت لسوق العمل خاصة في مجال الشركات التجارية وما شابه ليست بريئة وعلى فطرتها، وعندما تدخل الفتاة في دوامة العمل وتسرقها السنوات وتنسى الزواج وتفيق فجأة تجد نفسها على مشارف الثلاثين وقد فاتها قطار الزواج".

وتتفق معها ملاك – من اليمن قائلة: " تستطيع الفتاة جلب الرزق عن طريق بعض الأعمال المنزلية التي تستطيع القيام بها مثل الخياطة أو التطريز، أو صنع الحلوى أو المأكولات وبيعها، وتدخر هذه الأموال لتقليل العبء المالي على الشاب الذي سيتقدم لخطبتها، وبالتالي ساهمت في تفاقم مشكلة تأخر سن الزواج".

الدافع الأساسي دخل خاص ... إثبات الذات
وتختلف معهما أنسام – من الأردن قائلة: " اعترض على توجيه أصابع الاتهام إلى عمل الفتاة، فحينما تتوفر فرصة عمل ، ويتقدم إليها شاب وفتاة بالتأكيد سيختار صاحب العمل الأفضل منهما من ناحية الخبرة والقدرة على تأدية العمل بصورة جيدة، وهنا فالفتاة مثل الشاب، لا نستطيع أن نقول لها اجلسي في البيت في انتظار " ابن الحلال" ، يجب عليها أن تعمل بشهادتها وأن تتفوق في عملها، وأن يكون لها دخل خاص بها، وهذه أرزاق لا نستطيع أن نقول أن الفتاة أخذت مكان الشاب فأصبح عاطلاً بسببها، فالدول المتقدمة كلها تعمل النساء وكذلك الرجال ولا يعانون البطالة كما هو الحال في العالم العربي".

وتؤيدها في الرأي منيرة من مصر حيث تقول: " فور أن تتخرج الفتاة وتظل عاماً أو عامين دون زواج – لأسباب خارجة عن إرادتها – فهذا يدفعها إلى البحث عن فرصة عمل مناسبة تدير لها دخلا مناسبا لتولى مسئوليات نفسها في الظروف الاقتصادية التي يمر بها العالم الآن، فللأسف الشباب الآن مهما كبر سنه حتى لو تعدى الثلاثين عاماً عندما يفكر في الزواج لن يفكر في فتاة في مثل عمره لا تعمل ، فسوف في فتاة صغيرة توافق على ظروفه البسيطة، أو أخرى في سنه تعمل براتب كبير تسانده عبره في مسئوليات الزواج.
وحتى بعد الزواج أصبح عمل المرأة عاملا مؤثرا في عدم سيطرة الرجل على زوجته وبخله عليها، فالمرأة سابقاً كانت تعيش حياة صعبة مع زوجها ولا تطلب الطلاق إن هو أهانها لأنه لا يوجد من يتولى مسئوليتها، لكن الآن لا يوجد ما يرغمها على تحمل رجل سيء الخلق والطباع، لأنها ستستطيع أن تتحمل نفقاتها ونفقات الأبناء".

أما هناء – من مصر فلها رأي بين الرأيين حيث تقول: " خروج المرأة للعمل ليس مرفوضاً في حد ذاته، لكن نرفضه إن كان سبباً بأي حال من الأحوال في تأخر سن الزواج، أعتقد أن خروج المرأة للعمل التطوعي لن يتسبب في هذه المشكلة، لأنها بذلك لن تأخذ مكان الرجل في العمل بأجر، وهكذا لن يكون لها يداً في بطالة الشباب لأن فرصه محفوظة كما هي، بل بالعكس ستزيد من دائرة معارفها وبالتالي تزداد فرص زواجها".

مفاهيم خاطئة عن الزواج والعمل
حملنا هذه الآراء إلى الداعية المصرية د.زينب كمال الأستاذة بكلية التربية جامعة الأزهر حيث تقول : " خروج المرأة إلى العمل من الأسباب الرئيسية التي تسببت في ارتفاع معدلات تأخر الزواج في عالمنا العربي والإسلامي وذلك لعدة أسباب:
1-المفهوم الخاطئ للزواج بأنه أصبح مجرد ارتباط يشبع الناحية العاطفية فقط بين الزوجين، وعدم تفهم دور الزواج وتأثيره الخطير في تكوين المجتمعات الصالحة.
2-المفاهيم المغلوطة التي تقتنع بها بعض الفتيات أن العمل هو الوسيلة العظمى لتحقيق الذات، والاستقلالية، وبناء الشخصية ، وتكوين المال الخاص، وهذا مفهوم قائم على الأنانية، فيجب أن تدرك الفتيات أن نجاحها وإثباتها لذاتها يأتي من خلال نجاحها في تكوين أسرة مسلمة، ومن تربيتها لأبنائها التربية الصالحة فهم الأجيال القادمة اللذين سيتحملون أعباء النصر.
3-تطالب بعض الفتيات الشاب المتقدم لخطبتها أو حتى زوجها بعد ارتباطهما بالماديات الباهظة، أو الإنفاق الجيد عليها، وألا يقل مستوى معيشتها عما كانت عليه في بيت أبيها، وذلك مبني على الشرع الذي يكلف الرجل بالإنفاق، فكيف تنفذ المرأة شرع الله من جانب وتركه من جانب آخر، الذي جعل من حق الرجل أن تكون زوجته بجانبه في البيت ترعاه وترعى أبناءها لقوله صلى الله عليه وسلم " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله و مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها" رواه البخاري.

وبالتالي فقد تسبب عمل الفتاة في تفويت الفرص على الشباب المطلوب منه السعي على الرزق والزواج والإنفاق على أسرته ، فنجد مع تكاليف الزواج الباهظة أن هناك الكثير من الشباب بدون عمل، وبالتالي فكرة الزواج عنده تكون بعيدة جداً وصعبة المنال، وللأسف تزداد المشكلة تعقيداً عندما نجد بعض الفتيات لا يضعن فكرة الزواج في قائمة الأهداف المطلوب تحقيقها، وينسين أنها فطرة وضعها الله في الرجل والمرأة.
وهناك بعض الأسباب غير المقنعة التي ترددها الفتيات عند خروجهن للعمل منها أنها لن تجلس في البيت في انتظار من يتقدم لخطبتها وعليها أن تشغل وقتها حتى ذلك، وهنا فليس شرطاً أن تشغل وقتها بالعمل، بل عليها أن تدرس القرآن الكريم، أو تلتحق بإحدى المعاهد التي تدرس العلوم الشرعية، وأخريات يقتنعن أنهن يجب أن يكون لديهن دخل خاص وذلك تحسباً لعدم الزواج، وهنا فيجب عليهن الأخذ بالأسباب حتى لا تعطل هدفها النبيل في الزواج بمزاحمة الرجال في العمل والزواج كالرزق بيد الله عز وجل، وإذا لم يحدث فالله عز وجل يقول: " وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ".

بالعمل ليست بحاجة " لظل الرجل "
وتختلف معها بعض الشيء الإعلامية وفاء سعداوي أستاذ التفسير وعلوم القرآن حيث تقول: "المفروض أن خروج البنات للعمل يوفر لهن فرصا أكبر للزواج لأنه يزيد مساحة التعارف، وإقامة علاقات مع زميلات العمل مما يحقق لها انتشارا اجتماعيا يزيد من عدد المتقدمين لها، ولا اعتقد أن الخروج للعمل السبب الأول أو الرئيسي في زيادة نسبة العنوسة، لكنه يساهم في إطار الظروف والأسباب الأخرى في وجود المشكلة؛ فعندما يكون عملها يحقق لها مركزا أدبيا ويوفر لها دخل عال لاشك يقلل فرصها في عدد المتقدمين للزواج من ناحية، ومن ناحية أخرى يصعب اختيارها لمن يناسبها لأنها لم تعد بحاجة إلى "ظل رجل" كما تعتقد الكثير من الفتيات.

كما أن العمل يوسع مساحة اختلاط البنت بالمتزوجات اللائي ينقلن تجاربهن بما فيها من معاناة بل قد يبدين ندمهن على دخولهن قفص الزوجية ويحسدنها على ما تتمتع به من حرية واستقلال مادي مما يجعلها حذرة متأنية جدا في الإقبال على الزواج فتؤثر السلامة برفض، أو تأجيل فكرة الزواج، كما أن الرغبة في النجاح وتحقيق المستقبل في العمل يجعلها تتقدم في السن وتمر السنون دون أن تشعر، وكلما كبرت كلما تغيرت مفاهيمها وصعب إقناعها، فالفتاة في سن صغيرة يسهل إقناعها بالفكرة ويسهل اختيارها فمازالت مفاهيمها نسبيا بريئة تجاه الزواج والأسرة.

ورغم ذلك لا أرى المشكلة في خروج الفتاة للعمل، فقد يكون خروجها للعمل ضرورة اجتماعية كأن يكون المجتمع في حاجة لعملها في مجالات لا يصلح للعمل بها إلا المرأة كالتدريس للبنات وتمريض وطب النساء والولادة، أو تكون هي في حاجة للعمل كأن يكون ليس لها عائل، فالعمل إذا كان بنية، فإنه يزيد الفتاة وعيا وترتيبا لأفكارها ويجعلها أكثر قدرة على فهم الحياة وفهم طبيعة مجتمعها وتحديد دورها تجاه نفسها والمجتمع وأكثر قدرة على اختيار الأدوات التي تؤدى بها هذا الدور، وفى الأجيال السابقة نماذج كثيرة لنساء حققن نجاحا أدبياً ومادياً وهن زوجات، وأخريات ذوات حسب ونسب ومال وتزوجن رجالا فقراء وكن نعم الزوجات الصالحات، ولنا في قصة زواج النبي من أم المؤمنين خديجة قدوة حسنة ، ولعله بهذه الزيجة قدم للأمة نموذج للزيجة الناجحة رغم التفاوت في السن والمال، لصحة معايير الاختيار قبل الزواج والتعامل بالقيم والمبادئ في إطار الفطرة بعد الزواج فكانت حياة مباركة سوية.

الشباب يفضلن الفتاة العاملة !
بل على العكس بالنسبة للشباب بصفة عامة يزداد الإقبال على الارتباط بالعاملات ويفضلون ممن تتحمل المسئولية المادية نظرا للأزمة الاقتصادية ، ففرصة الفتاة العاملة أصبحت أكبر من كل الجوانب، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في طريقة تفكيرنا ومفاهيمنا تجاه الزواج والأسرة ، ليس الفتاة فقط ولكن الشباب أيضا بل المجتمع كله في حاجة لتصحيح مفاهيمه تجاه الزواج والأسرة ، فقد انعكست الآثار السلبية لأمراض اجتماعية للأسف انتشرت في مجتمعاتنا تتعارض مع روح ديننا الإسلامي وعاداتنا العربية الأصيلة، شوهت الفطرة التي عاش الناس عليها في علاقاتهم الإنسانية، تلك الأمراض أهمها الفردية والأنانية والتعايش مع الذات مما ترتب عليه التنافر والتدابر بين الناس وهذا يؤثر على الرغبة الفطرية في التآلف والتواد بين الرجل والمرأة، وبالتالي الشعور بالحاجة إلى تكوين أسرة تشبع حاجاتهم الفطرية على المستوى الإنساني، فلم يعد البنات والشباب يشعرون بأهمية الانتماء إلى أقاربهم أو أسرتهم وبالتالي انتمائهم إلى أسرة خاصة تتألف من زوجة وأولاد، وهذا إلى جانب الشعور بالأمن الاقتصادي ساهم في تفاقم أزمة العنوسة.
ويرى الباحث والخبير الاجتماعي كريم الشاذلي أن : لكل واحد منا حاجيات يسعى لإشباعها، ومتطلبات يحاول الوفاء بها، وسواء كان ذكرا أو أنثى إلا أن دوافعه لأداء واجباته وتحقيق ما يطمح إليه يظل محتلا جزءا كبيرا من تفكيره ووجدانه
وحاجيات الواحد منا تتأرجح ما بين مطالب رئيسية " كطلب طعام وملبس ومكان يأوي إليه .. انتهاء بحاجته إلى إثبات ذاته وتحقيق غاية وجوده وصنع إنجاز يسجله له التاريخ "إنطلاقا من هذه الدوافع يخرج المرء إلى باحة الحياة، فيعمل ويكد ويتعب
وإننا لنجد أن هناك ثمة عاملان يؤثران بشكل كبير على حركة السعي والعمل وهما
صعوبة الحصول على الحاجيات الرئيسية من مطعم ومشرب .. بالاضافة لاحتلال بعض الأشياء مكانة هامة في مثلث الاحتياجات وانتقالها من مرحلة الرفاهية إلى مرحلة الضروريات ..فرأينا كيف أن السيارة والبيت الواسع والخوف من الغد وأهمية الادخار لمواجهته أصبحت لا تقل أهمية عن الطعام والشراب ..كل هذا كان دافعا لخروج المرأة للعمل من أجل تحقيق ذاتها من جهة .. وتوفير احتياجاتها واحتياجات أسرتها من جهة أخرى ..
والناظر إلى الفتيات اللواتي يذخر بهن سوق العمل، يجد أنهن أحد اثنتين، إما باحثة عن ذاتها، تحاول تحقيق إنجاز شخصي يخدم طموحها، وإما ـ وهؤلاء الأغلبية ـ من تحاول مساعدة زوجها أو أهلها من أجل توفير متطلبات المعيشة ..
وفي الحقيقة فإن خروج المرأة لسوق العمل ومزاحمتها الرجل أمر قد لا تستسيغه العقلية العربية، نظرا لاعتبارات شرعية في غاية الأهمية، بالإضافة إلى النزعة الذكورية الغالبة على تفكيرنا، والتي ترى بأن بيت المرأة هو جنتها وسجنها ومرقد أحلامها ..وليس من حقها أن تطمح بتحقيق أحلامها خارج جدرانه الأربعة ..
وأنا أرى أن التوازن هو لب الفضيلة، وأننا يجب أن نتعامل مع خروج المرأة للعمل من منطلق الموازنة بين حاجتها الحقيقية لهذا العمل، وعدم وقوعها في محظور شرعي، والرؤية الإسلامية تمتلك من السعة والرحابة ما يجعلها تضع الأطر السليمة لهذا الأمر
أيضا أرى أن القول بأن المرأة قد تأخذ مكان الرجل، وأن الفتاة العاملة تضيق من فرص عمل الشاب فهذا أمر لا أستسيغه من وجهة نظري الخاصة، وذلك لأن سوق العمل اليوم يعتمد على أبجديات التفوق والتميز، والأفضل هو الأحق بالوظيفة، وأنه بدلا من الخوف من الفتاة يجب أن نتجه جميعا إلى تدعيم الذات ورفع الكفاءة الشخصية للفرد .
إن مجتمعنا لا يحق له أن يجهر بخوفه من نزول المرأة لسوق العمل و تضييقها الخناق حول الرجل، وإنما يجب أن يوجه تفكيره إلى محاولة الاستغلالالأمثل للمرأة ومحاولة توظيفها في الأماكن التي تمكنه من الاستفادة منها ومن قدراتها .
نشر: موقع المسلم

الأربعاء، 30 سبتمبر، 2009

أفلام كارتون الأطفال بين الانحلال الأخلاقي وزعزعة العقيدة





سندريلا، الأميرة النائمة، سنووايت، الأميرة والأقزام السبعة كلها أسماء قصص ديزني وهي قصص أطفال تراثية خيالية رومانسية أثرت في تشكيل وجدان الأطفال وخيالاتهم وطموحاتهم، هذه القصص انتقدتها الكثير من الدراسات الاجتماعيةس لأنها تركز على مفهوم الجمال باعتباره الطريق الوحيد للحصول على الثروة والجاة والمستقبل الباهر.
وقد وضحت إحدى الدراسات الأميركية أن هذه القصص تؤكد منطقاً خاطئاً وضاراً يترسخ في ذهن الأطفال ألا وهو " من الأفضل أن تكوني جميلة" إلى جانب مفاهيم أخرى مدمرة ومعوقة تمنع الصغار في المستقبل من الكفاح والمثابرة في العمل من أجل الوصول إلى حياة أفضل وتعليق الأمور كلها على الحظ، كما ذكرت هذه الدراسة أن التركيز على المظهر الخارجي وليس الجوهر خاصة بالنسبة للفتيات يشوه أفكارهن، وفي النهاية أكدت الدراسة أنها لا تدعو إلى إلغاء هذه القصص أو عدم حكايتها للصغار، ولكن على ضرورة مناقشة شرح بعض القيم التي تحملها هذه القصص للأبناء وخاصة مسألة التركيز على مفهوم الجمال على حساب التعليم والعمل في الحياة.

وقد ظهرت المشكلة بشكل أوضح عندما بدأت قناة سبيس تون ببث الأفلام مدبلجة سواء الأميركية أو حتى اليابانية والكورية، فسابقاً كان الأطفال يرون مجرد بعض الصور المتحركة وكان ضررها متمثلاً في الصور التي تحمل مشكلات أخلاقية أو تربوية أو بعض معاني العنف دون فهم الكلام ، لكن الآن يعرض الغث والسمين، صار يسيرا وفي متناول الطفل فهم المواقف والكلمات والأفكار مما ييسر وصول أفكار من أراد بثها في أطفال المسلمين , فتربى جيل يحمل الوهم كبديل وحيد لحل المشكلات , فهو لا يريد أن يعمل ويكد بل ينتظر أن يكون قويا كالبطل المقنع أو ذكيا كالمحقق كونان أو ماهرا كالكابتن ماجد أو تهبط عليه ثروة أو يصبح ذا قوة خارقة تدمر كل شئ دون عمل أو عناء، وأصبحت العقلية الخيالية هي التي تحكمهم.

طفل ضحية باتمان !
وقد تناقلت وسائل الإعلام عام 1992 ما صار في إحدى الأحياء الشعبية بالقاهرة لتصوير مقتل طفل يبلغ من العمر 7 سنوات ربط قطعة من القماش حول رقبته وتركها تتدلى خلفه مثل بات مان وانطلق- ليطير بها - من نافذة بيته التي يقطن به في الدور السادس ليسقط قتيلاً، نقلته دون أن يدرس المتخصصون سبب الحادث.
لذلك توجهنا إلى بعض الأطفال لبحث تأثير هذه الأفلام عليهم فتبدأ أسماء 12 سنوات قائلة: " أتمنى دائماً أن أكون في جمال أميرة الوحش، وأتمنى أن يكون لي فساتين جميلة مثلها، فهي محظوظة بحب والدها، والذي أدى لزواجها من أمير وسيم".
وتتفق معها هناء 13 سنة قائلة: "هذه الأفلام خيالية لا تؤثر فينا، لكني كثيراً من الأحيان عندما أتمني شيء، ولا يستطيع والداي أن يحضروه لي، أتخيل سنووايت التي حصلت على كل ما تريد من الجنية الطيبة، لكن الحياة ليست هكذا للأسف".
حتى أحمد 16 سنة والذي يرفض الانسحاب من عالم الطفولة كان له رأياً آخر حيث يقول :" الكثير من الكبار يشاهدون أفلام ديزني، ويتابعون بشغف قنوات سبيس تون وسبيس باوور، ولا يمكننا أن ننكر أن القوة هي التي تغلب دائماً، فليس دائماً الحق الذي يغلب الشر، وهذا بالفعل محور أغلب أفلام الكارتون، وهذا يمثل العالم في الوقت الحالي، فالقوى العظمى هي التي تسيطر على العالم، وتعاملهم مع العالم العربي والإسلامي في منطقهم مثل معاملة توم وجيري!!"




لا للمنع ... نعم للنقاش
وكان يجب أن ننقل هذه الآراء إلى الآباء والأمهات لنرى مدى ملاحظتهم لمخاطر هذه الأفلام وتأثيرها على الأبناء فيرى السيد ماهر 42 الأب لثلاثة أطفال أن الأفلام بحد ذاتها ليست مشكلة في متابعة الأطفال لها لكن يجب أن تجلس الأم بجانبهم لتغربل السيء منه ويضيف قائلا: " منع الأطفال عن كل ما هو سيء ليس في مصلحتهم، بل أرى أنه يجب أن يطلع الأطفال على كل شيء، ثم مناقشتهم في الأخطاء التي يحتوي عليها الفيلم،لكن بالطبع لا أتحدث عن أفلام كارتون تحتوي على مواد إباحية أو عري، إنما أقصد التي تتناول أخطاء عقائدية، أو سلوكية تربوية".

ويضيف أمجد 49 عاماً بحدة: " في الحقيقة أعتقد أنه مهما احتوت هذه الأفلام على مشكلات تربوية وعقائدية، فهي أقل ضرراً من أن يجلس الأبناء أم المسلسلات العربية والأجنبية الساقطة، والأغاني والكليبات الهابطة، فمهما كان ضرر أفلام الكارتون يمكن إصلاحه، فأنا ابنتي قد شارفت على التخرج من الجامعة وتهوى أفلام الكارتون، ولا تعير اهتماما للأغاني مثل من هم في مثل سنها، فمن الرائع أن نربي جيلاً طفولياً لا جيل ماكراً لا يشغله سوى العنف والجنس!

وتتفق معه شذى 38 عاماً وتضيف قائلة:" أصبحنا في وقت يصعب فيه منع الطفل من التلفاز أو جهاز الكمبيوتر، لأني إن منعته سيصير عنده شغف بهما وسيخرج لمشاهدتهما في أي مكان دون أن يخبرني، لذلك أحاول قدر الإمكان إحضار أفلام الكارتون الإسلامية والتي تعرض على قنوات الرسالة أو أقرأ أو قناة الأقصى على اسطوانات ومشاهدتها معه في البيت، لكنه أحيانا يحضر بعض الأفلام من أصدقاءه فأراها معه، ويتفهمني أن طلبت منه أن يغلقه إن احتوى على مشهد لفتيات عاريات، وأوضح له حجم عقابه عند الله إن أطلع عليه، كما أحاول أن أرافقه لسينما الأطفال والتي أتابع عروضها الجيدة منها".

ومن الأمهات اللاتي تعاني مع بناتها سمية 33 عاماً والتي تقول شاكية: " لأسف لم انتبه على مثل هذه المشكلات عندما كانت ابنتي صغيرة، وكنت أعتقد أن أجعلها تجلس أمام شاشات الكارتون ، أفضل من تركها أمام المسلسلات العربية والأغاني الهابطة، وللأسف تعاني ابنتي المراهقة الآن من فقدان ثقتها في نفسها رغم أنها متفوقة، لكنها ترى أن الجمال أهم من التفوق، فهي ليست بيضاء البشرة ولا رشيقة القوام بالقدر الكافي، فتحاول للأسف تعويض ذلك بأشياء أخرى كرغبتها في ترك الحجاب الإسلامي، بل وتتحدث معي أحياناً فيما يجذب الشاب للفتيات لجمالهن، دون أن تعير اهتماماً لكلامي بأن خلق الفتاة وحياءها ودينها هو الذي يجذبه لها لتصبح زوجة صالحة له، لا صديقة يغضب منها الله ولا يرضى عنها.
ففي دراسة أمريكية حول العنف الناتج عن أفلام الكرتون رصدوا فيها ما تحتويه أربع قنوات فقط للكارتون وتذيع اثني عشر برنامجا فقط في الأسبوع فوجدوا أن حصيلة ما يبث في عقلية الأطفال ما يلي : أربعة حالات انتحار، وسبعة وعشرون معركة بالأيدي وأضعافها بأسلحة خرافية، وعمليتين اغتيال، وواحد وعشرون عملية نزاع.. فماذا ناقش إذن؟؟

مخالفات عقائدية
توجهنا للدكتورة أمل الدريني الأستاذة بكلية رياض الأطفال جامعة عين شمس والتي توضح مخاطر أفلام الكارتون الغربية قائلة: يجب أن يدرك الآباء والأمهات أن الطفل يعيش درجة من الاندماج والتوحيد الشديدين مع الشخصيات الكارتونية التي يشاهدها ويتعلق بها، بل وكثيراً ما يتخيل نفسه محل البطل، فيؤمن بنفس الأفكار التي تعرض عليه عبر الفيلم الذي يشاهده، ويتصرف في بعض الأحيان كما تصرف البطل، هذا بالإضافة إلى الكثير من المخالفات العقائدية التي توجد في أفلام الصغار، كما تمثل بعض أفلام الكارتون مثل " يوجي" قضية تعدد الآلهة وتمثلهم في البشر ، مثل الهة الخير والهة الشر وصراعهم، وتدخل اله القوة بجانب اله الخير، وهذا كله يترسخ في عقيدة الطفل دون أن نشعر.
كما تحوي معظم أفلاك الكارتون كمًّا ضخمًا من العنف الحادّ؛ حيث طلقات الرصاص والدماء والقتلى، وما يترتب على ذلك من استبدال حركة الطفل الطبيعية بحركة مدمرة غير عادية يشاهدها على الشاشة، ويختزنها داخل بنائه النفسي الرقيق، الذي يتغير بكثرة المشاهدة، فيحدث تحول مشوّه له، فيصبح الطفل عنيفًا وعدوانيًّا، وإن كان غير نشيط جسمانيًّا..

كما نجد مسلسل الجاسوسات نموذج حي يمثل الانحلال الأخلاقي فيما يقدم للأطفال، بدءاً من ملابسهن المنحلة، والمفترض أنهن يحاربن قوى الشر في العالم، وعلى سبيل المثال تجد الجاسوسات أن النساء في المدينة يهجرهن أصدقاءهن! وتبحث الجاسوسات عن السبب حتى يكتشفن عطرًا يباع في المدينة عندما يشمه الرجال فإنهم يتركون صديقاتهم، ويبحثن عن الحب في مكان آخر!وبالتالي يعتقد الأطفال والمراهقون أن العلاقات بين الرجال والنساء شيء عادي، والشرير هم من يحاول إنهاء هذه العلاقات – الرومانسية الرائعة - !!

سلسلة هاري بوتر
كما كان لسلسة أفلام هاري بوتر والتي كان لها صدى كبير وجمهور عريض تأثيراً سيئاً على شريحة كبيرة من الأطفال والشباب المراهقين حيث وضحت هذه الأفلام أن السبيل الوحيد لتخلص من الشر والخوف يكون بالسحر واللجوء للسحرة الذين يستطيعون أن يتحكموا في الكون بالموت والحياة ويحملون كل صفات الإلوهية.
كما أعتمد الفيلم على بطل وسيم وفتاته الجميلة والذي رسخ في قلوب الأطفال والمراهقين أن الجميلات فقط من ينجذب إليهم الشباب، ورسخ مفهوم الصداقة بين الجنسين، بل وجعل تبادل الأحضان والقبلات – بين زملاء الدراسة – شيء عادي، كما رسخ الفيلم حب الانتقام بالقتل، هذا إلى جانب اعتماده الكلي على الخيال والخرافات، مما سبب في تربية جيل تافه من الشباب والأطفال، وللأسف لا يهتمون بقضايا الأمة، يميلون للعدوانية والعنف، يؤمنون بأن القوة هي مفتاح النصر بعيداً عن الإيمان بالله والتضرع .



المسنين والأيتام والجرحى في العيد ... بذرة أمل وثواب عظيم


يأتي العيد بظلال الفرح والسعادة على جميع المسلمين وذلك بعد أيام جميلة قضونها في الصيام والعبادة خلال شهر رمضان المبارك، فالأطفال ينتظرونه لشراء كل ما تهفو إليه أنفسهم من حلوى والعاب ، ويشجعهم آبائهم وأمهاتهم بالاجتهاد في الصيام حتى تكون المكافأة المنتظرة في العيد، وينتظره الكبار لما يصاحبه من لم شمل الأحبة والأقارب والتنزه خلال هذه العطلة، لكن هناك من يأتي عليهم العيد ويحتاجون لمن يكون بجانبهم، يعايدهم ويدخل الفرحة على قلوبهم ويرسم البسمة على شفاههم، أولئك اللذين افتقدوا أسرة تحنو عليهم، ووجدوا أنفسهم فرادى بين جدران دور الرعاية طوال أيام العام، وخاصة في الأعياد.

المتطوعون أفضل من الأبناء!
توجهنا إلى "الدار الإسلامية" لرعاية المسنين والتي قابلنا فيها السيد رمضان إسماعيل 78 عاماً والذي يتضح عليه معالم الصحة الجيدة وروح الدعابة حيث يقول: " انتظر الأعياد والمناسبات الأخرى بفارغ الصبر حيث يأتي الكثير من الشباب والفتيات لقضاء أيام جميلة معنا ويحضرون معهم الكعك الذي أحبه جداً رغم أن الطبيب يمنعني منه دائماً، فهم متطوعون يحبون الخير، ويفهمون تعاليم إسلامهم بشكل صحيح، وأنا أسعد كثيراً بزياراتهم حيث يأتون هم من تلقاء أنفسهم ومعهم هدايا قيمة على عكس أبنائنا اللذين نتودد إليهم طوال العام لكي يأتوا لزيارتنا ويتعلل كل منهم بمشاغله".

وكان معه صديقه السيد يوسف محمود 76 عاماً والذي يضيف: " مر علي هنا في الدار ثلاثة أعياد كانت رائعة جداً، فقد خصصت الدار حافلة ضخمة تقل المتطوعين لقضاء حفل خاص بنا، وتعيدهم كذلك بعد انتهاء الحفل، وكان منسق هؤلاء المتطوعين قد احضر فرقة أناشيد رائعة استمتعنا بها، كما كان هناك بعض المسابقات الترفيهية السهلة وكسبنا فيها هدايا جميلة".

أما في دار "أمي" والتي تميزت برعاية النساء المسنات وجدنا الحال مختلف بعض الشيء حيث يصاحب العيد لمسة حزن على فراق رفيق أو جفاء أبناء، حيث التقينا بفوقية أحمد 56 والتي تعتبر أصغر نزيلات الدار والتي قابلتنا بحفاوة شديدة: " تذكرني الأعياد والمناسبات السعيدة دائماً بزوجي الراحل والذي كنت محط اهتمامه في هذه المناسبات، أسعد كثيراً بالفتيات والشابات اللاتي يجئن لزيارتنا، كما إنني أحب نقوش الحناء كثيراً والتي تسعى إحدى صديقاتي من المتطوعات في كل عيد أن تحضرها وتقوم بنقشها لي بنفسها، فأنا أشعر بحنان شديد عندما تأتي لزيارتي، وقد طلبت منها إلا تكتفي بأيام العيد بل تأتي لزيارتي بين الحين والآخر".

وكانت للفتيات الصغيرات نصيباً في معايدة المسنات حيث وجدنا بعض زهراوات إحدى المساجد في زيارة للدار حيث يقمن بترتيب حفل في اليوم الثالث من العيد، وتقول هبه 12 سنة إحدى الفتيات: " عندما توفيت جدتي أصبحت أكثر تعلقاً بمعايدة المسنات خاصة وأن ديننا أمرنا برعايتهم، وللأسف عندما أجدهن يشيكن جفاء أبنائهن أواظب على معايدتهن باستمرار لتعويض الحنان والرعاية المعنوية المفقودة".

للمعايدة أثر فعال

وحول معايدة المسنين في الأعياد يقول الأستاذ أمجد الناصر أحد مشرفي الدار الإسلامية: خلق الله الإنسان ضعيفاً في كبره ووصى من حوله وخاصة الأبناء برعايتهم حيث قال سبحانه وتعالى: "إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربِ ارحمهما كما ربياني صغيراً". (الإسراء: 23 - 24). كما كانت الشيخوخة محل عناية النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال:" رغم أنفُ ثم رغم أنف ُ، ثم رغم أنفُ" ، قيل: من يا رسول الله؟ قال:"من أدرك أبويه عند الكبر - أحدهما أو كليهما - فلم يدخل الجنة".
كما يقول صلى الله عليه وسلم:" إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم" (رواه أبو داود)، ويعد عليه الصلاة والسلام الشاب البار الذي استجاب لأمر ربه يعده بالجزاء الأوفى فيقول صلى الله عليه وسلم:" ما أكرم شاب شيخاً لسنه - أي في شيخوخته - إلا قيض الله له من يكرمه عند سنّه".(رواه الترمذي) .
وخلال عملنا في الدار الإسلامية نجد – عبر ملاحظات الأطباء والمشرفين الاجتماعيين - أن المسنين وخاصة الكبار منهم جداً منهم يتسمون بالعناد وصلابة الرأي، ويحبون دائماً ممن حولهم أن يغمروهم بالمديح والإطراء والتشجيع وهذا غالباً يكون صعباً من القائمين على رعايتهم نظراً للضغط الشديد وبالتالي فهذا يكون متاحاً من المتطوعين اللذين يأتون لمعايدتهم وزيارتهم لذلك فالمسنين يتعلقون بهم كثيراً ، خاصة وأن الشعور بالوحدة بعد وفاة شريك الحياة، أو تخلي الأبناء عن دورهم في رعايتهم والاعتناء بهم، وانعزاله عن المجتمع يتسبب في الإحساس بفقدان الأهمية والدور في الحياة، وهذا يتسبب كثيراً في انتكاستهم الصحية نتيجة الشعور بالقلق والاكتئاب، ولا يجدون متنفساً عما يجول بخاطرهم وبالتالي يكون الشباب المتطوع هو الصدر الحاني لاحتوائهم خاصة في أيام الأعياد والمناسبات السعيدة".

وهنا فوجود المتطوعون معنا في الأعياد له طابع رائع حيث نقدم الكثير من الأنشطة لهؤلاءٍ المسنين، حيث نوضح للمتطوعين عبر محاضرة مسبقة أن هناك بعض القيم التي يجب أن يغرسونها فيهم خلال فترة تواجدهم معهم بأنه يجب أن يكون لهم دور في حياتهم وبذلك يمنحونهم الإحساس بقيمتهم وبحاجة الآخرين إليهم، وخلال الاحتفال في الأعياد يضغط المتطوعون على أهالي وأبناء المسنين للحضور لأن هذا يمثل فرحة مضاعفة لهم".

يتيمة ... بعد العيد سأهرب!
أما الأيتام فقد كان لهم وضعاً مختلفاً خاصة من فقد والديه أو أسرته قريباً وكانت له ذكريات للأعياد السابقة معهم، وقد كانت لنا زيارة في دار الرحمة للأيتام حيث وجدنا الأطفال تغمرهم الفرحة البالغة وهم في انتظار معايدات وحفلات العيد، وفور أن دخلنا للدار التفتت حولنا بعض الفتيات اليتيمات ظناً منهن أننا ضمن أحد فرق المتطوعات اللاتي جئن لمعايدتهم وتحدثت معنا شيماء 11 سنة قائلة: " أحب العيد جداً لأنني اجمع خلال أيامه الثلاثة عيدية وهدايا والعاب كثيرة، كما آكل الكثير من الكعك والحلوى، وتقدم لنا فرقة الأطفال الاستعراضية أناشيد جميلة، وأحب " ميكي" – حيث ترتدي بعض الفتيات ملابس بعض الشخصيات الكارتونية، كما أحب مسابقات التلوين والصلصال".

ووجدنا إحدى الفتيات لم تجري معنا كما فعلت زميلاتها فذهبنا إليها حيث تقول:" لا أحب قدوم العيد لأنه يذكرني بأمي وأمي وأحمد أخي اللذين توفوا في حادث سيارة واحضرتنى خالتي لهنا لأنها تعيش خارج مصر، أحب العيد لأن هناك الكثير من الأطفال يأتون للعب معنا، حتى إنني سعدت بأحد الأطفال لأنني وجدته يشبه أخي كثيراً".
وأسرت لنا الطفلة أنها حاولت مراراً الهروب من الدار لأنها تشعر بالقيود والوحدة، رغم أنها لا تعرف أحداً بالخارج لكنها انتظرت حتى يأتي العيد وترى هذا الطفل الصغير، ومن ثم تحاول الكرة للخروج من الدار ! حاولنا إدخال السرور على قلبها بالهدايا والألعاب لكنها كانت تندمج وتلعب بعض الوقت، وتشرد في أحزانها الوقت الآخر".

مشروع الكفالات ... الأكثر في العيد
وتوجهنا للأستاذة سهام زعير مشرفة الدار لقسم اليتيمات والتي توضح نشاطات الدار في العيد: " يفرح الأطفال كثيراً بقدوم الأعياد لأنه متنفس لهم عن باقي أيام العام حيث الدراسة والنظام الروتيني لليوم والذي يعتبره الأطفال دائماً أنه ملل.
كما أننا كل عيد نقيم حفلاً كبيراً يحضره كبار رجال الأعمال والمتطوعون، وفي نهاية الحفل يختار الحضور بعض الأيتام لكفالتهم سواء كفالة كاملة، أي تتم الإجراءات ويذهب للحياة معهم – بما يناسب الشرع – بمعنى أن تعيش الفتاة في بيت لا يوجد به رجال، ويكون العيد بالنسبة إليها بمثابة ذكرى جميلة لتكوين أسرة جديدة لليتيمة، وبفضل الله في كل عيد نقيم مثل هذا الحفل ويزداد الحضور كل عام عن الذي سبقه، كما إننا ننتهز العيد لتجهيز بعض اليتيمات اللاتي سيتزوجن ويخرجن من الدار، وذلك نظراً للتبرعات التي تأتي عبر هذا الحفل الضخم، كما أننا نعرض الأشياء التي تنقص كل عروس ويأتي المتبرعون بها خلال العيد بحيث نجعل ثالث أيام العيد حفل زفاف جماعي لكل من ستتزوج عندنا، وبالتالي يكون العيد لديهم عيدين ".
كما أنه في العيد تحضر الفرق الاستعراضية الخاصة بالأطفال، ويفرحون كثيراً بالملابس الجديدة التي نعدها لهم قبيل العيد، فهم ينتظرون العيد من العام للآخر".

وللجهات الرسمية دوراً
كما أنه لبعض الجهات أو المؤسسات الرسمية دوراً في معايدة الأيتام وذلك مثل نقابة الأطباء العرب وبالتحديد لجنة الإغاثة والطوارئ باع طويل في النشاطات الخيرية التي تحمل طابعاً دعوياً في العيد، المعروفة باسم (غوث) وتحمل شعار( نزرع الأمل ونرسم البسمة)، حتى تميزت اللجنة بتقدمها في العديد من المشروعات بالتعاون مع بعض الجمعيات الأهلية، ومن هذه المشروعات في العيد مشروع " بسمة العيد" والذي يدمج تقديم بعض المساعدات المالية والمعنوية للمناطق المنكوبة سواء في مصر او الدول العربية الأخرى، هذا بالإضافة إلى اهتمامها بمساعدة الفقراء في شراء الزى المدرسي للأطفال وكذلك مستلزمات الدراسة، وهنا تضيف أ.ش إحدى المتطوعات باللجنة قائلة: " هذا العام يأتي العيد متزامناً مع بدء العام الدراسي الجديد وكذلك من قرب دخول فصل الشتاء، لذلك نحاول أن نسد الاحتياجات الخاصة بتلك المناسبات بقدر المستطاع، حيث نتواصل مع المدارس الفقيرة ونأخذ كشفاً بأسماء الطلاب الفقراء وعناوينهم، ونذهب إليهم بأنفسنا كمجموعة متطوعات ومعنا بعض الملابس الجديدة في العيد وكذلك زي المدرسة والأدوات الدراسية المطلوبة، ولا ننسى في الحقيقة أن تكون مساعدتنا ليست مادية فقط، بل نحاول إضفاء الحنان على هؤلاء الأطفال ونحاول أن نوجههم لبعض القيم والسلوكيات الإسلامية خلال تلك الزيارات، ولا نكتفي فقط بهذه الزيارة بل نتواصل مع من نتوسم فيهم خيراً لنكون عوناً لهم ولنمارس دورنا الدعوي تجاههم.

كما تقول عبد الرحمن 24 عاماً أحد المتطوعين في اللجنة: " يتميز العيد بطابع خاص للمعايدة، فنحن في كل عيد نحمل الطعام الفاخر والهدايا وكروت الاتصال الدولية وبعض أجهزة الكمبيوتر اللاب توب ونذهب للمستشفيات التي بها جرحى فلسطين، حيث نمكث معهم طوال اليوم، ونتصل بأهاليهم في قطاع غزة ليعايدوهم، ونضع لهم أناشيد المقاومة التي يحبونها عبر اسطوانات الكمبيوتر ونقضي معهم يوماً رائعاً رغم المضايقات الأمنية التي تواجهنا من إدارة بعض المستشفيات، فهؤلاء رجال المقاومة يجب أن نكون بجانبهم في أيام الأعياد ... لحين يكونوا هم بجانبنا وقت عيدنا الأساسي لتحرير الأقصى".
موقع المسلم

الخميس، 26 فبراير، 2009

أطفالنا والتربية ... تهذيب لا تعذيب


على الرغم مما يتمناه كل أب وأم من أن يروا أبناءهم على أكمل الأخلاق، وسيرهم على منهج الرحمة والرفق لا الشدة والعنف، فإننا نجد بعض وجنات الأطفال في بعض غرف البيوت وفصول المدارس ما زالت تتوهج تحت تأثير الصفعات، وأيديهم ترتعش تحت وطأة العصي، ناهيك عن صواريخ الشتائم والتوبيخ والإذلال التي يتعرضون لها خلال فترات التحصيل العلمي واستذكار الدروس.
وما نعنيه هنا بالعنف التربوي يختلف نهائيا عما نعنيه بالعقوبة التربوية، وذلك من حيث درجة العمق والتأثير؛ فالعنف التربوي يكون عبر فعاليات تربوية سلبية متعددة، تُشَكِّل المناخ العام لعملية تفريغ نفسي، ويتحقق عبر سلسلة من الخبرات المؤلمة التي يعانيها الطفل عبر سيرته التربوية في إطار الأسرة والمدرسة، كالعقوبات الجسدية، والاستهزاء، والسخرية، والتهكم، وإحكام التبخيس، وغير ذلك من الإصابات النفسية والمعنوية التي تشكل المناخ العام لحالة الخوف والقلق التي يعانيها الأطفال.

التربية أحادية الجانب
حاولنا إلقاء الضوء داخل بعض البيوت لنرصد آراء الأمهات والآباء، فتبدأ هناء (28 عاما) من فلسطين حديثها عن أسباب اتجاهها للعنف أحيانًا قائلة: "بعد استشهاد زوجي -نحسبه كذلك- صرت شديدة العصبية تجاه أطفالي، وأحيانًا كثيرة أكون عنيفة معهم، خاصة في أمور الدراسة والأخلاق. أحيانًا أحزن لأجل ذلك، وأعود لمصالحتهم، لكن أدرك جيدًا أنَّ له أثرًا سيئًا على نفسيتهم؛ فأنا لا أعتمد العنف بحد ذاته، لكني ألجأ إليه رغمًا عني كوسيلة من أجل توجيه الأطفال وتربيتهم.
وقد قرأت سابقًا أن العنف في التربية يؤدي إلى شخصية متشددة في أمور الدين، تنظر إلى البشرية والمقصرين بحق الإسلام بعين العنف، لا بعين الرحمة والتسامح؛ لذلك أحاول أنْ أضبط نفسي في أثناء تعاملي مع الأبناء".
وتتفق معها سهام الماجد (32 عاما) من قطر قائلة: "من الناحية النظرية قرأنا كثيرًا عن مخاطر العنف التربوي والعواقب الوخيمة التي تنتج عنه، لكن من واقع الحياة والضغوط التي تقع على الوالِدَيْن والأم أكثر، فقد نتعامل مع الأطفال أحيانًا بشكل عنيف، ولا أرى أن هذا يسبب مشاكل نفسية عليهم، طالما أدرك الوالدان المشكلة، وحاولا تصحيح ما حدث، لكن أعتقد أنه من الصعب السير طول الخط على العنف، أو طول الخط على الرفق خلال الحياة التربوية للطفل؛ فنحن قد ضُرِبْنَا من قِبَل آبائنا وصرنا أسوياء!.

التربية بالتسلط!
أما محمود درويش (39 عامًا) من مصر، فيوضح قائلا: "أعتقد أن من يستخدمون العنف في تعاملهم مع الأبناء لا يُدركون حجم العواقب الوخيمة لذلك؛ فالعنف يُؤَثِّر بشكل سلبي على شخصية الطفل، وأعتقد أن العنف هو انعكاس لشخصية الأبوين، بما في ذلك جملة الخلفيات التربوية والاجتماعية التي أثّرت عليهم في طفولتهم، أو اعتقاد البعض بأنه الأسلوب الأسهل في جعل الأطفال يلتزمون بما يريده الآباء دون جهد وجدال".
وقد تضطر الظروف الأسرية الإخوة الكبار أن يتحملوا أعباء التربية، وذلك في حالة فقدان أحد الآباء؛ حيث تقول صفية (22 عاما): تُوُفِّي أبي منذ أربعة عشر عاما، وأمي سيدة كبيرة في السن، وأنا التي أتولى تربية أختي الصغيرة، وأعتقد أن العنف طوال الوقت غير مُجْدٍ، والحنان طول الوقت لا يأتي بالنتيجة المرجوة، إنما الأنسب الحنان والحزم في آن واحد، واستخدام كل منهما في الوقت المناسب؛ فهناك مواقف لا يصلح معالجتها إلا بالحب والهدوء وإظهار العاطفة، ومواقف أخرى تحتاج إلى الشدة والحزم، لكن دون مبالغة، وقد يتحلى المربي بالثقافة التربوية والخلفية الكافية للتعامل مع أبنائه، لكنه قليل الصبر، وربما تَحْدُثُ مواقف غير متوقعة من الأبناء تدفع المربي إلى استخدام العنف تجاههم".
وتستكمل قائلة: "كذلك أعتقد أن من العنف التربوي تصريحَ الآباء بأنهم يفقدون الثقة في أبنائهم، وما يترتب على ذلك من الشكوك والظنون، وبالتالي المناقشات الحادة اللاذعة التي قد تَجْرَحُ مشاعر الأبناء، وتترك أثرًا سلبيًّا دون أن يدري المربي خطورة ذلك. وقد يرى البعض أن العنف هو الطريق المنشود لإيجاد أبناء أسوياء وهذا غير حقيقي، خاصة إذا لجأ الابن أو الابنة إلى العناد والانحراف، كَرَدِّ فعل لهذا العنف في التوجيه".

العقاب وضوابطه
حملنا هذه الآراء وتوجهنا إلى الاستشاري التربوي د.ياسر نصر -مدرس الطب النفسي بكلية الطب جامعة القاهرة، عضو مركز "لندبيك" البحثي بقسم الشرق الأوسط بلجيكا، مقدم برنامج "ساعة تربية" بقناة الناس الفضائية- فقال: كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يضع قواعدَ للانضباط في التربية، وهذا الانضباط نَوْعٌ من أنواع الحسم في بعض الأوقات، ولا يتنافى مع قضية الرحمة والحب والتسامح؛ فنجده مع أنس رضي الله عنه عندما أرسله في أحد شئونه فتأخر؛ فما كان من رسول الله إلا أن انطلق خلف أنس ونادى عليه بنبرة خاصة حانية رفيقة، قائلا: "يا أُنَيْسُ!" وكان أنسٌ رضي الله عنه يعرف نبرة صوت الرسول وما يعنيه، واستوعب أن أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم يحثه أن يتحرك للذهاب في موضوعه، بلا صخب ولا عنف.
وكثير من التربويين، والأمهات خاصة، إن بكى الطفل في حالة ارتكابه خطأ ما تنسى الأمر وتحتضن الطفل، دون إدراك منها أن الطفل قد يفتعل ذلك للتأثير على رد فعلها وقرارها إزاءَ الخطأ الذي اقترفه، أو عندما يُمْنَع الطفل عن بعض الحلويات التي تُعْطِي السعرات الحرارية العالية وقت تناول الغذاء، فيَظَلُّ يبكي ولسان حاله يقول: "سأظل أضغط عليها بهذا الأسلوب، حتى تتنازل عن قرارها"!.
وهنا، فالانضباط ووضع القواعد التربوية الحاسمة لا يعني الضرب الْمُبَرِّح، أو الصوت العالي، أو سَبّ الأبناء، أو الإهانة والتحقير أو المقارنة بينه وبين الآخرين أو التقليل من ذاته، ولكنه يعني وضع قواعد تربوية لكي يعرف الطفل حدوده، توازيا مع الحب والرحمة.

الضرب للتنفيس!
وللأسف، بعض الآباء عندما يستذكرون الدروس للأبناء، ويكونون تحت ضغطٍ من الانشغال، وعدم استيعاب الطفل بشكل سريع -كما يرغب الآباء- يلجئون إلى الضرب العنيف، بحجةِ أن الطفل لا يُرَكِّز في الدراسة، أو أن استيعابه قليل، لكن هذا ليس السبب الحقيقي للضرب، إنما هو ضغط الآباء أنفسَهُم، وقلة حيلتهم أمام عدم استجابة الأطفال للتعلم، وأن الجو العام مشحونٌ في البيت، خاصة أوقات الامتحانات أو الأزمات، فيلجئون إلى العنف، وهنا يجب أن يكون لدينا بدائل في التحصيل الدراسي، وتخفيف طاقة الضغط على الأطفال، والتشجيع المستمر في المجالات الأخرى يُحْدِث تحسنًا في مستوى التحصيل الدراسي والتعليمي، وعموما يجب أن يمنع المربي نفسه تمامًا من استخدام الضرب أو العنف في حالة الغضب.
واستخدام الضرب يكون بمحاذير شديدة، وليس بأن نجد أمًّا تضرب ابنها لأنه ضرب أخاه، فبدلا من أن تضربه عليها أن تفصلهما عن بعضهما البعض في اللعب لمدة يوم مثلا، أو التي تضرب ابنها لأنه يُسْقِط الطعامَ على الأرض في أثناء الأكل فلماذا لا تضع له مفرشًا ليأكل عليه، أو كالتي تضرب ابنها لأنه دخل الحمام ولَعِبَ في الماء وابتلتْ ملابسه، فلماذا لا تأخذه للنادي مثلا للسباحة أو حتى تُخَصِّص له وقتًا للعب في الماء، أو كالتي تضربه لأن ملابسه اتسخت في أثناء اللعب!.
وهنا فالإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم للعقاب كانت للصلاة، حين يبلغ الطفل سن العاشرة، وهو سن البلوغ والحساب، وهنا فالضرب غير المبرح، إنما الإهانة فقط؛ ليعرف أنه اقترف ذنبًا كبيرًا في علاقته مع ربه.

التربية بالثواب والعقاب
كذلك على الآباء حسن استخدام أسلوب الثواب والعقاب، كأن يقول للابن: إن أنت رجعت مبكرًا من الحديقة فستذهب الأسبوع القادم مرة أخرى، ولكن إن تأخرت مع أصدقائك فلن تذهب، وهنا فعلى المربي التزام الكلام، فلا يستعطفه الابن فيتنازل عن القرار ويجعله يخرج إن تأخر؛ فالأبناء كثيرًا ما يحاولون اختبار مدى صمود الأم خاصةً أمام قراراتها، وهذا قد يكون سببا لاقتراف الأبناء الخطأ مرة أخرى متعمدين؛ لأنهم على علم أنهم سيستعطفون الأم أو الأب فيتنازلون عن العقاب.
ويجب أن يكون الضرب آخر وسيلة تُستخدم في التربية؛ لأن الأم أو الأب إن استخدما طريقة ما وفشلت فسيلجئون للطريقة التالية، وهكذا تدريجيا، لكن للأسف نَجِدُ طفلا في السابعة من العمر وقد أخطأ، فيذهب بنفسه ويُحْضِر العصا لكي تضربه أمه، وعندما تنتهي يعود لما كان عليه!.
وهذا هو الفشل التربوي بعينه، وكما يذكر المثل المصري؛ فالطفل يقول لنفسه "علقة تفوت ولا حد يموت" وقد تَعَوَّد جسده على الضرب، فما عاد يؤثر فيه، وما زال الطفل مصرا على الخطأ!.
والأسوأ عندما نجد أبًا يُعَنِّف ابنه البالغ من العمر ستة أشهر؛ لأنه يبكي طوال الليل، ولا يستطيع الأب أن ينام! أو الأم التي تنهر ابنتها ذات الأشهر الستة؛ لأنها عضت صدرها أثناء الرضاعة!
والطفل للأسف ودون علم الآباء يخزن هذه اللحظات في ذاكرته، فينشأ على العنف التربوي.
كذلك من أهم الأوقات التي يلجأ فيها معظم الآباء والأمهات إلى الضرب لحظات تعليم الطفل دخول الحمام بنفسه، ويزداد الأمر سوءًا إن كان الطفل يعاني التبول اللاإرادي؛ فالضرب يزيد مساحات الخوف لديه، وبالتالي تطول المشكلة لديه، وكذلك الطفل العنيد والعصبي لا يربيه الضرب، إنما يزيد مساحة العصبية لديه، بل قد يتولد لديه العنف مع الآخرين.

ضوابط العقاب
وعن ضوابط تطبيق الضرب كعقابٍ يضيف الدكتور نصر قائلا: هناك بعض الشروط الواجب التزامها حين الأخذ بالعقاب البدني للطفل، وتتمثل في:
1- أن يكون الضرب آخر وسيلة يلجأ إليها الأبوان لعلاج مشكلة أو خطأ ما لدى الطفل، ويجب أن يتذكر الآباء أن الله سيسألهم لماذا استخدموا الضرب والقسوة في معاملة الأبناء، والجهل بهذا لم يَعُدْ مبررًا أمام الله؛ لأن وسائل المعرفة أصبحت منتشرة في وسائل الإعلام والصحف والجرائد والأشرطة السمعية والمرئية؛ فاتخاذ الضرب الوسيلة الأسهل للتربية ظلم في حق هؤلاء الأبناء؛ لأن التربية الصحيحة هي تقويم سلوك الطفل للأفضل، والاعتلاء بسلوكه، والنزول لمستوى المتربي لنرتقي بأخلاقه وسلوكياته، وليس أن يرتقي هو بنفسه إلى مستواك العقلي رغم صغر سنه.
2- أن يتجنب المربي الضرب وقت الانفعال والغضب؛ فقد تكون هناك مشكلة ما بين الزوجين ولا تستطيع الزوجة التنفيس عن غضبها أمام زوجها، فتلجأ للتنفيس عما بداخلها تجاه زوجها في أطفالها لأتفه الأسباب، وتكمن المشكلة الأكبر أن الطفل مثلا كان يلعب في غرفة الضيوف، ورأته أمه مرةً ولم تقل شيئًا، وفي المرة الثانية عقب مشكلتها مع زوجها رأته يلعب في نفس المكان، فأطاحت به ضربًا، مما يحدث خللا لدى الطفل في مفهوم الخطأ والصواب.
3- ألا يكون الضرب سياسة دائمة للتعامل مع الطفل؛ فللأسف هناك بعض الأمهات من شدة الضغوط وكثرة عدد الأبناء تستخدم كافة الوسائل من أحذية وكئوس وأطباق وغيرها لتقذف بها الابن عندما يخطئ! أو هذا الأب الذي يُعَلِّق حزام البنطال أو سلسلة حديدية في مدخل البيت ليكون عبرة للطفل، بل إن بعض الأمهات يقمن بربط الطفل حتى لا يجهدها في أثناء ضربه في المقاومة!!.
4- التدرج في العقاب من الأخف للأشد، فمن الخطأ ضرب الطفل وحرمانه من الحلوى، ومن الخروج مع إخوته للتنزه، ومخاصمته، ومنعه من اللعب على الكمبيوتر، كل ذلك في وقت واحد، بل إن الحرمان يكون في وقت قصير وبدون ضرب.
5- لا يُضْرَبُ الطفل أبدًا في أول مرة يخطئ فيها، بل يجب أن نترك له أكثر من فرصة للتعلم من الخطأ، بل والاعتذار.
6- ألا يُضْرَبَ الطفل قبل 10 سنوات من العمر، ويجب أنْ يدرك الآباء أن التربية بالضرب هي التربية على الخوف وقلة احترام الآباء، فقد يتساءل الأب: لماذا لا يحترمني أبنائي؟ وهو لا يعلم أن التربية بالعنف التي انتهجها منذ ولادتهم تسببت في هذه المشكلة.
7- عدم ضرب الوجه والرأس للطفل؛ فقد كَرَّم الله الوجه، وضرب الرأس قد يسبب بعض المشكلات الضخمة كالارتجاج وغيرها.
8- أن يكون الضرب غير شديد على اليدين أو الأرجل بعصا غير قوية، وغير شديدة الألم.
9- لا يتم ضرب الطفل أمام الآخرين من الأقارب أو الأصدقاء، أو حتى إخوته أو في الشارع؛ لأن هذا يُسَبِّب ضررًا شديدًا للابن.
10- العدالة في العقاب بين الأبناء، وعدم اتخاذ سياسة عقاب الابن الأكبر؛ لأنه من شجع الصغير على ارتكاب الخطأ بمجرد أنه الكبير!.
وهناك بعض ضوابط العقاب العام:
1- يجب على الأمهات والآباء أن يستفسروا عن الخطأ قبل العقاب، حتى لا يقع عقاب على ابن وهو مظلوم.
2- يجب ألا يقع عقاب على الطفل في حالة التأكيد من النسيان أو السهو.
3- عدم عقاب الطفل على خطأ سَبَّبَ له ألمًا، كأن صعد على المنضدة وطلبت منه أمه النزول، لكنه لم يسمع الكلام فسقط على الأرض وجُرِحَ، فمن القسوة عقابُه رغم جرحه.
4- لا يُعَاقَبُ الطفل على أمورٍ خارجةٍ عن إرادته، كمشكلةٍ صحية ما، أو حدود القدرات الذهنية.
5- عدم الاستمرار في العقاب عند اعتذار الطفل، لكنْ قد يقترف الطفل خطأً ثم يعتذر، ثم يعود لنفس الخطأ ويعتذر، ويتكرر نفس الموقف، فهنا الوضع مختلف.

الرسول مربيا
وتضيف الباحثة الشرعية والتربوية "د.وفاء سعداوي"، ومؤلفة سلسلة "كيف تسعدين طفلك" قائلة: "حَثَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على تربية الأولاد وتأديبهم، فقال: "الزموا أولادكم، وأحسنوا أدبهم". وإذا تتبعنا السنة النبوية نستطيع أن نستقى منهجا تربويا يتضمن وسائل إصلاحية ناجحة ومناسبة للطفل، يتضح منها طريقة الإسلام في الإصلاح، ومنهجه في التربية فنجد:
1- توجيه الولد ووعظه وملاطفته، فقد روى البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصَّحْفَة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غُلامُ سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك".
2- هَجْرُ الولد، وعدم مخاطبته والكلام معه، حتى يرجع عن الخطأ الذي ارتكبه، بدلا من استخدام العنف الجسدي؛ فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحذف (رمي الحصى بالسبابة والإبهام)، وقال: "إنه لا يَقْتُلُ الصيد ولا ينكأ العدو، وإنه يَفْقَأُ العين، ويَكْسِرُ السن". وفي رواية: أنّ قريبًا لابن مُغَفَّل (وكان دون الْحُلُم) حذف، فنهاه، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحذف، وقال: إنها لا تصيد صيدًا. ثم عاد، فقال: أُحَدِّثُكَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، ثم عدت تَحْذِف؟ لا أكلمك أبدا".
ويُمْكِن أنْ يُسْتَدَلَّ أيضًا بقصة الثلاثة الذين تَخَلَّفُوا عن غزوة تبوك، حينما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم التحدث معهم، وبقوا على ذلك خَمْسِين ليلةً، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، حتى أنزل الله توبته عليهم في كتابه الكريم، وقد ثَبَتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهرًا؛ زجرًا لهن وتأديبًا.
3- ضَرْبُ الولد ضربًا غَيْرَ مُبَرِّح؛ فالضرب للتربية والتأديب، بحيث يُؤَدِّبُ الولدَ، ولا يترك أثرًا في جسده. فقد روى أبو داود والحاكم عن عمرو بن شُعَيْبٍ عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مُرُوا أولادَكُم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضْرِبُوهم عليها وهم أبناء عَشْرٍ، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع". وللحديث شواهد تقضي بقوته. ولحديث: "لا يُجْلَدُ فوق عَشْرِ جَلْدَاتٍ إلا في حَدٍّ من حدود الله" أخرجه البخاري وغيره.
وقال بعض المحققين من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: "وعُرْفُ الشرعِ إطلاقُ الحَدِّ على كل عقوبةٍ لمعصيةٍ من المعاصي، كبيرةً أو صغيرة؛ فيكون المراد بالنهي المذكور في التأديب للمصالح، كتأديب الأب ابنه الصغير". وفي ضرب المربين للصبيان: حدد فقهاؤنا حدودًا لا يجوز للمربي تجاوزها؛ إذ يلـزمه أن يتقـي في ضربه الوجه، ومكان المقاتل؛ لما ورد في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عـلـيـه وسلـم، قال: "إذا ضرب أَحَدُكم فَلْيَتَّقِ الوجه".
وهكذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يُوَجِّه الطفل بالملاطفة والوعظ، وعلى المربي -إن لم يُجْدِ ذلك- أن يلجأ إلى الهجر، ثم إلى الزجر، ولا يجوز له أن يلجأ إلى الضرب، إلا إذا عجز عن جميع الوسائل الإصلاحية السابقة؛ فلا بأس بعد هذا أن يلجأ إلى الضرب غير المبرح عسى أنْ يَجِدَ المربي في هذه الوسيلة إصلاحًا وتقويمًا لسلوك الولد واعوجاجه.
والْمُطَالع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم يلمس رقة قلبه ورحمته مع الأولاد؛ فقد دخل رجلٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجَدَهُ يقَبِّلُ حفيدَهُ الحسن بن علي -رضي الله عنهما- فَتَعَجَّبَ الرجل، وقال: والله يا رسول الله، إنّ لي عشرةً من الأبناء ما قبَّلتُ أحدًا منهمْ أبدًا؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحم" (متفق عليه). وفي رواية: "أَوَ أَمْلِكُ أنْ نَزَعَ اللهُ الرحمة من قَلْبِك؟!" مُخَرَّجٌ في الصحيحين من حديث عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما.
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله يأخذني فيُقْعِدُني على فَخِذِه، ويُقْعِد الحسنَ على فخِذِه الأخرى، ثم يَضُمُّهُمَا ثم يقول: "اللهم ارْحَمْهُمَا؛ فإنِّي أرحمهما" أخرجه البخاري.
صَلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا